الغزالي
159
إحياء علوم الدين
الموت لم نتمن ما هم فيه . وقيل لعبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه . كيف تجدك يا أمير المؤمنين ؟ قال أجدني كما قال الله تعالى * ( ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ) * « 1 » الآية ، ومات وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ، امرأة عمر بن عبد العزيز . كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول : اللهم أخف عليهم موتى ولو ساعة من نهار . فلما كان اليوم الذي قبض فيه ، خرجت من عنده ، فجلست في بيت آخر بيني وبينه باب ، وهو في قبّة له فسمعته يقول * ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * « 2 » ثم هدأ ، فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاما ، فقلت لوصيف له . انظر أنائم هو ؟ فلما دخل صاح ، فوثبت فإذا هو ميت وقيل لما حضره الموت : أعهد يا أمير المؤمنين ؟ قال أحذركم مثل مصرعي هذا ، فإنه لا بد لكم منه وروي أنه لما ثقل عمر بن عبد العزيز دعي له طبيب ، فلما نظر إليه قال : أرى الرجل قد سقى السم . ولا آمن عليه الموت . فرفع عمر بصره وقال . ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم . قال الطبيب : هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال نعم قد عرفت ذلك حين وقع في بطني قال فتعالج يا أمير المؤمنين ، فإني أخاف أن تذهب نفسك . قال ربي خير مذهوب إليه . والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته . اللهم خر لعمر في لقائك . فلم يلبث إلا أياما حتى مات وقيل لما حضرته الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ أبشر فقد أحيا الله بك سننا ، وأظهر بك عدلا . فبكى ثم قال : أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق ؟ فوالله لو عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله ، إلا أن يلقنها الله حجتها فكيف بكثير مما ضيعنا ، وفاضت عيناه ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات ولما قرب وقت موته قال : أجلسوني . فأجلسوه فقال أنا الذي أمّرتنى فقصّرت ، ونهيتني فعصيت ؟ ثلاث مرات ولكن ، لا إله إلا الله . ثم رفع رأسه فأحدّ النظر ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني لأرى خضرة ما هم بإنس ولا جن . ثم قبض رحمه الله
--> « 1 » الانعام : 94 « 2 » القصص : 83